اسماعيل بن محمد القونوي

439

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فله الحمد في الدنيا ) ظاهره أن الكلام بتقدير المعطوف عليه بقرينة ذكره في موضع آخر قال تعالى في سورة القصص : لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ [ القصص : 70 ] الآية لكن المحشيين ذهبوا إلى أنه تعبير عن حاصل المعنى لأن السماوات والأرض عبارة عن هذا العلم بأسره وهو يشمل على النعم الدنيوية فعلم من التوصيف بقوله : الَّذِي [ سبأ : 1 ] الخ أنه تعالى محمود على نعم الدنيا ولما قيد الثاني بقوله : فِي الْآخِرَةِ [ سبأ : 1 ] علم أن الأول محله الدنيا فصار المعنى أنه المحمود على نعم الدنيا فيها وعلى نعم الآخرة فيها انتهى وهذا يلائم ما ذكرناه إذ التفريع بالفاء يدل على أن ما قبله متضمن له فيقدر في الكلام ليعلم أنه من عطف المقيد على المقيد لا من عطف المقيد على المطلق فإن عطف وله الحمد في الآخرة على قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ [ سبأ : 1 ] الخ ليس بمستحسن ما لم يلاحظ قوله : فله الحمد في الدنيا فلا تغفل وأما اعتبار الاحتباك في مثله غير متعارف لدلالة قوله : ما فِي السَّماواتِ [ سبأ : 1 ] على الحمد في الدنيا كما اعترفوا به وهذه الدلالة قرينة على تقدير المعطوف عليه المذكور ولو لم تكن هذه الدلالة لفهم المعطوف عليه المذكور لأنه من قبيل : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] . قوله : ( لكمال قدرته وعلى تمام نعمته ) تعرض له تمهيدا لقوله وعلى تمام نعمته لأن تمام النعمة إنما هو بكمال القدرة لا للإشارة إلى أن الحمد الثناء الجميل سواء كان في مقابلة نعمة أو لا فإن الحمد هنا في مقابلة النعم الدنيوية كما صرح به المصنف وكمال القدرة ليس منها والمراد بالحمد ما يوجد في ضمن الشكر العرفي وإنما اختير الحمد لما بينه في سورة الفاتحة . قوله : ( لأن ما في الآخرة أيضا كذلك وليس هذا من عطف المقيد على المطلق فإن قوله : فله الحمد في الدنيا تأويل المعطوف عليه به ليناسب المعطوف في أن أحد الحمدين في الدنيا والآخر في الآخرة فتناسبهما من باب تناسب التضاد كما في إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 ، 14 ] . قوله : وليس هذا من عطف المقيد على المطلق الغرض من قوله هذا إزالة ما عسى يتوهم من أن الحمد المعطوف مقيد بكونه في الآخرة والحمد المعطوف عليه مطلق لم يقيد بكونه في الدنيا فلدفع هذا الوهم قال وليس هذا من عطف المقيد على المطلق لأن وصف المحمود عليه بالذي له ما في السماوات والأرض لدلالته على أنه المنعم بالنعم الدنيوية جعل الحمد مقيدا بها فالعطف بهذا الاعتبار من عطف المقيد على المقيد وفي الكشاف ولما قال الحمد للّه وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية كان معناه أنه المحمود على نعم الدنيا كما تقول أحمد أخاك الذي كساك وحملك تريد احمده على كسوته وحملانه ولما قال : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ [ سبأ : 1 ] علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهي الثواب قال الطيبي رحمه اللّه لعل القاضي أراد بالمقيد الحمد الثاني لأنه مقيد بقوله في الآخرة والأول مطلق حيث لم يذكر معه